القرطبي

356

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

والبهم : جمع بهيمة ، وأصلها صغار الضأن والمعز ، وقد فسّره في الرواية الأخرى في قوله : رعاء الشاة ، وقوله : وأن تلد الأمة ربّها ، وفي رواية : ربتها تأنيث ربّ ؛ أي : سيدها ، وقال وكيع : هو أن تلد العجم العرب ، ذكره ابن ماجة في السنن « 1 » . قال علماؤنا : وذلك بأن يستولي المسلمون على بلاد الكفر فيكثر التسرّي ، فيكون ولد الأمة من سيدها بمنزلة سيدها لشرفه ومنزلته بأبيه ، وعلى هذا فالذي يكون من أشراط الساعة استيلاء المسلمين واتساع خطتهم ، وكثرة الفتوح ، وهذا قد كان . وقيل : هو أن يبيع السادات أمهات الأولاد ويكثر ذلك ، فيتداول الملاك المستولدة فربما يشتريها ولدها ولا يشعر ، فيكون ربها ، وعلى هذا فالذي يكون من أشراط الساعة غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد وهم الجمهور . وقيل : المراد أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة والسب ، ويشهد لهذا ما جاء في حديث أبي هريرة المرأة مكان الأمة . وقوله عليه الصلاة والسلام : « حتى يكون الولد غيظا » . وسيأتي إن شاء اللّه تعالى . قلت : وهذا ظاهر في الوجود من غير نكير مستفيض وشهير . وقيل : إنما كان سيدها ربها لأنه كان سبب عتقها ، كما قال عليه الصلاة والسلام في مارية : « أعتقها ولدها » « 2 » . قلت : وقول خامس سمعت شيخنا الأستاذ المحدث النحوي المقرئ أبا جعفر أحمد بن محمد بن محمد القيسي القرطبي المعروف بابن حجة ، يقوله غير مرة ، وهو الإخبار عن استيلاء الكفار على بلاد المسلمين كما في هذه الأزمان التي قد استولى فيها العدو على بلاد الأندلس وخراسان وغيرهما من البلدان ، فتسبى المرأة وهي حبلى أو ولدها صغير ، فيفرق بينهما فيكبر الولد فربما يجتمعان ويتزوجها ، كما قد وقع من ذلك كثير ، فإنا للّه وإنا إليه راجعون . ويدل على هذا قوله : « إذا ولدت المرأة بعلها » ، وهذا هو المطابق للأشراط ، مع قوله عليه الصلاة والسلام : « لا تقوم الساعة حتى تكون الروم أكثر أهل الأرض » ، واللّه أعلم . * * *

--> ( 1 ) رقم ( 63 ) . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة ( 2516 ) ، وضعّفه الألباني .